قطب الدين الراوندي

405

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

رسالاته قرنا فقرنا ، حتى تمت بنبينا محمد صلى اللَّه عليه وآله حجته ، وبلغ المقطع عذره ونذره . وقدر الأرزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها ، ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها . ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها ، وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفرج أفراحها غصص أتراحها . وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها ، ووصل بالموت أسبابها ، وجعله خالجا لأشطانها وقاطعا لمرائر أقرانها . عالم السر من ضمائر المضمرين ونجوى المتخافتين ، وخواطر رجم الظنون وعقد عزيمات اليقين ، ومسارق أيماض الجفون ، وما ضمنته أكنان القلوب وغيابات الغيوب ، وما أصغت لاستراقه مصائخ الاسماع ومصائف الذر ومشاتي الهوام ورجع الحنين من المولهات ، وهمس الاقدام ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام ومنقمع الوحوش من غير أن الجبال وأوديتها ومختبأ البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها ، ومغرز الأوراق من الأفنان ، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب ، وناشئة الغيوم ومتلاحمها ، ودرور قطر السحاب في متراكمها ، وما تسفي الأعاصير بذيولها ، وتعفو الأمطار بسيولها . وعوم بنات الأرض في كثبان الرمال ، ومستقر ذوات الأجنحة بذرا شناخيب الجبال ، وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار ، وما أوعته ( 1 ) الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار ، وما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار ، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات النور ، وأثر كل خطوة ، وحس كل حركة ، ورجع كل كلمة ، وتحريك كل شفة ، ومستقر كل نسمة ،

--> ( 1 ) في يد : أوعبته .